حيدر حب الله

66

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

الجارّ والمجرور مترتّبان على قوله : ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ) ، بمعنى : كي لا يكون المال حصراً بين الأغنياء بل يكون أيضاً للفقراء المهاجرين الذين فيهم هذه الصفات . وعليه ، فتكون الآيات بصدد بيان حكمٍ شرعي في مصرف مال الفيء ، ومعه فتكون الصفات المأخوذة أظهر في القيديّة ؛ حيث السياق إنشائيٌّ وليس إخباريّاً ، لأنه عندما يقول : أعط مال الفيء للفقير المهاجر المخرَج المبتغي فضل الله والناصر له ولرسوله ، فمن الطبيعي أن يوكل تحديد هذه الصفات للمكلّف ، ولا يكون المولى بصدد الإخبار عن وجودها ، ويكون قوله : ( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) أشبه ببيان الحكمة والعلّة ، أي أعطوا هؤلاء مال الفيء ، فهم الصادقون . وحتى لو لم تكن الآيات ظاهرةً في القيديّة ، إلا أنّ ظهورها في الوصفيّة مشكلٌ ومبهم بعد هذا السياق الحُكمي الإنشائي الذي تحمله ، خاصّةً مع تصدير الآية بعنوان الفقراء لا بعنوان المهاجرين ، والله العالم . وربما يكون من الباب نفسه ، ما ذكره ابن ميثم البحراني ، من أنّ الأوصاف الموجودة في الآية الكريمة لا تنطبق على عموم الصحابة بل على بعضهم ، مضيفاً أنّ الصادق وصفٌ أعمّ من الصدق في جميع الأحوال أو في بعضها ، ومعه يمكن أن يصدقوا من ناحية آحادهم ، وممكن أن لا يصدقوا ، فالكذب جائز بالاتفاق على آحاد الصحابة « 1 » . لكن تفسير البحراني ل - ( الصادق ) غير واضح ؛ لأنّ الصدق هنا إما أن يُراد منه الحقّانية ، أي وأولئك على الحقّ ، أو يراد منه صدق القلوب والنفوس ، أو نحو ذلك من المعاني ، أمّا إرادة الصدق المقابل للكذب في الإخبار فهو غير واضح ، وعلى تقديره فأيّ معنى للحديث بأنّ هذا الوصف لا يشمل تمام الحالات ، بل يصدق في بعضها ، فإذا أراد كفاية صدق وصف ( الصدق ) على تحقّقه في بعض الحالات فهذا غريب ، إذ سيكون كلّ

--> ( 1 ) البحراني ، النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة : 181 - 182 ؛ وانظر : الميلاني ، الصحابة : 35 .